الأربعاء, ديسمبر 2, 2020

الجوائز لا تخرب الرواية، بل تدمرها

 

هاني نقشبندي
طفرة الرواية في العالم العربي، سببها أنها الشيء الوحيد الذي يمكن أن تقرأه من دون مجاملة سلطة أو ممالأة سلطان. بل إن الكثير من الروايات ولدت مصطدمة مع مجتمعها.
قل لي: ماذا يستطيع أن يقرأ الإنسان العربي اليوم، عدا الرواية؟ هل يقرأ الصحف؟ المجلات؟ كلها إما ممولة من مؤسسات حكومية، أو تعكس توجهات سياسية تفتقر الى الموضوعية والحيادية. الرواية ليست كذلك. على الأقل، غالبية الروايات ليست كذلك. نعم، هناك ما يأتي منها ضمن سياق المجتمع وإرادة المؤسسات السياسية أو حتى الدينية، لكنها في المجمل تكون مخالفة لها. من هنا، فهي تحمل قدراً من الواقعية والصراحة، أكثر مما تحمله النصوص الأخرى، الإعلامية والصحافية على وجه الخصوص. أضف الى ذلك أن الناس في شوق إلى شيء مختلف، وقريب منها. الرواية تلامس هموم الناس، أو هكذا يُفترض أن تفعل أحياناً. وعندما تصبح الملامسة تواصلاً كاملاً، تمسي أكثر وقعاً وقبولاً في نفس القارئ.
عنصر أخير يمكن أن أضيفه، وهو مسألة الظهور. فهناك من يكتب من باب “أنا هنا”. لعله يعتقد أن حضوره الإنساني، من خلال الرواية، يخرجه من دائرة المجهول إلى المعروف. لكن مثل هؤلاء لا يلبثون ان يصطدموا بواقع أن الرواية ليست فعلاً ظاهرياً، أو مظهرياً، يعطي صاحبه شأناً في المجتمع. لن تفعل الرواية ذلك، على الأقل في بدايات العمل الأدبي. لذلك، فإن كثيرين لا يستمرون. لعلهم كانوا يتوقعون نجومية العمل الواحد. وهو، فوق أنه لا يتحقق، يعطي نتاجاً أدبياً قد يسيء إلى كاتبه أكثر مما يفيد. الأدب هو غاية تُقصد لذاتها. لن يكون أبداً الوسيلة للوصول. الكتّاب الكبار يكتبون لعشق الكتابة ذاتها، لالتحامهم مع النص. الأدب هو منتهى الغايات، وعندما يكون الوسيلة لشيء ما، يتلاشى. وإن بقي العمل موجوداً، فلن يكون أكثر من شجرة يابسة.
الجوائز لا تخرب الرواية، بل تدمرها.
تصدر، كل عام، آلاف الروايات، على امتداد الساحة العربية. عندما تفوز رواية واحدة بجائزة ما، فمَن ذاك الذي استطاع قراءة كل تلك الآلاف من الروايات كي يقرر أن هذه أو تلك هي أفضلها؟ عندما تفعل ذلك، فأنت تكرّم عملاً أدبياً واحداً، لكنك تسحق آلاف الأعمال الأخرى تحت أقدام النسيان والتجاهل. ذلك أن الناس يتكالبون على الرواية الفائزة، ظناً أنها أفضل ما صدر، وتنسى ما عداها، أو تتجاهله. هكذا تكونُ قد كرَّمتَ زهرة واحدة، وسحقت آلاف الأزهار. فأي حديقة أدبية تنتظر؟ ثم، مَن الذي يقرر؟ لجنة من خمسة أو ستة أو عشرة أشخاص؟ أنت تتكلم إذاً عن ذائقة إنسانية مزاجية، وليست إلكترونية تسير وفق مقاييس محددة. فما تحبه أنت، قد لا أحبه أنا، والعكس بالعكس. لك أن تتخيل ذائقة شخص ما، تحدد لك ما تقرأ وما لا تقرأ. هنا يقع ظلم كبير، ليس على الأدباء وحدهم، وإنما على القراء أيضاً. وسأكرر دوماً ما قال برنارد شو: “قد أغفر لنوبل اختراع الديناميت، لكني لن أغفر له أبداً اختراع جائزة للأدب”.ليست مهمة الرواية أن تنتج بطلاً، بل أن تصنع نصاً جميلاً. أقول أن الرواية هي: نص وقصة. القصة يجب ألا تمثل ربع الرواية. فكل منا يملك قصة أجمل من غيره، ربما. المهم هو كيف تقدم قصتك، وبأي نص وأسلوب. قوة الرواية، أي رواية، ليست في مَن ذهب وراح، ولا في بطل أسطوري يحقق المعجزات، ولا في قصة حب مأساوية أو مفرحة، بل في نص جميل متماسك وقوي. نص يصنع صورته، لا صورة تصنع النص.

الرواية العربية.. إلى أين؟ لا أعلم، ولا أفكر في الأمر. هي سفينة تبحر. المهم أن تبقى في حركة دائمة. لا أعلم أين سيكون مرفأها التالي. لكني أدعو ألا تتوقف يوماً، سواء في عرض البحر، أو على رصيف جاف. سيأتي يوم، ويحقق كثير من كتّابنا حضوراً أدبياً مميزاً في المحافل الدولية. لكني لست أرى ذلك شرطاً لنجاح الروائي أو الأديب. فالنجاح ليس في الإنتشار، بقدر ما هو في إنتاج العمل الأدبي ذاته.
اعلامي وروائي سعودي

مقالات ذات صلة

كذب الاعلام العبري..وزير فلسطيني : إسرائيل حولت أموال المقاصة كاملة الى السلطة الفلسطينية

الرمسة -(رام الله) في تصريحات كذب فيها الاعلام العبري اعلن وزير الشؤون المدنية الفلسطيني  حسين الشيخ، الاعلام العبري واعلن اليوم الاربعاء عن تحويل  الحكومة الاسرائيلية...

“الامن الاوروبي” : محمد دحلان سيعود قريباً الى رام الله لمزاولة العمل السياسي

الرمسة- خاص  فاجأ موقع الشرطة الامنية الاوروبية متابعيه بخبر يتحدث عن عودة قريبة للقيادي الفلسطيني المنشق محمد دحلان إلى رام الله.  المفاجأة كاملة حقاً، نظراً لأن...

مسؤول في الإدارة الأمريكية: إسرائيل مسؤولة عن مقتل فخري زادة.. وإيران في موقف صعب بشان الرد

الرمسة -(متابعات) نقلت شبكة "سي ان ان" الامريكية عن مسؤول في الإدارة الأمريكية أن إسرائيل تقف خلف عملية اغتيال العالم النووي الإيراني البارز، محسن...

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisement -

أحدث المقالات

كذب الاعلام العبري..وزير فلسطيني : إسرائيل حولت أموال المقاصة كاملة الى السلطة الفلسطينية

الرمسة -(رام الله) في تصريحات كذب فيها الاعلام العبري اعلن وزير الشؤون المدنية الفلسطيني  حسين الشيخ، الاعلام العبري واعلن اليوم الاربعاء عن تحويل  الحكومة الاسرائيلية...

“الامن الاوروبي” : محمد دحلان سيعود قريباً الى رام الله لمزاولة العمل السياسي

الرمسة- خاص  فاجأ موقع الشرطة الامنية الاوروبية متابعيه بخبر يتحدث عن عودة قريبة للقيادي الفلسطيني المنشق محمد دحلان إلى رام الله.  المفاجأة كاملة حقاً، نظراً لأن...

مسؤول في الإدارة الأمريكية: إسرائيل مسؤولة عن مقتل فخري زادة.. وإيران في موقف صعب بشان الرد

الرمسة -(متابعات) نقلت شبكة "سي ان ان" الامريكية عن مسؤول في الإدارة الأمريكية أن إسرائيل تقف خلف عملية اغتيال العالم النووي الإيراني البارز، محسن...

سفير الإمارات في استراليا ضيف شرف في مؤتمر يهودي

الرمسة -(سيدني) بقلم هنري بنيامين ترجمة خالد غنام أبو عدنان حل سفير الإمارات في أستراليا عبدالله السبوسي ضيفا على المؤتمر السنوي للمجلس التنفيذي ليهود أستراليا الذي...

حمادة فراعنة يكتب : ضرورة العودة لفعل الذات

بقلم حمادة فراعنة لا أمل مُرتجى من حكومة المستعمرة الإسرائيلية وفريقها الثلاثي الحاكم: 1- اليمين، 2- اليمين السياسي المتطرف، 3- الاتجاه الديني اليهودي المتشدد، لا...