“الرمسة” تنشر أخطر وثيقة تكشف الأطماع الصهيونية في لبنان

get_the_title

 

الرمسة – خاص 
تعد الوثيقة التي كتبها د. حسين فخري الخالدي سكرتير الهيئة العربية العليا في فلسطين بين اعوام (1946-1948 ) خطيرة بكل المقاييس، فهو يحذر فيها من الاطماع الصهيونية في لبنان القائمة على اتباع سياسة فرق تسد بين طوائفه. 

ويكشف الخالدي الذي شغل ايضاً سكرتير الهيئة العربية العليا في فلسطين ، كذب ودجل الدول الاستعمارية في التعامل معنا، والمثير ان ذلك ما يزال مستمراً حتى اليوم الحاضر.

تالياً الوثيقة كاملة:

عن الطائفية في الشرق الأوسط وفي لبنان بقلم د. حسين فخري الخالدي  

مقتطفات من الجزء الأول من مذكرات حسين فخري الخالدي التي كان قد كتبها عام 1950 ،وحررها د. رفيق الحسيني تحت عنوان “ومضى عهد المجاملات” ونشرتها دار الشروق عام 2014 . 

لقد تغير التفكير في هذه الأيام، وها هي الحوادث تتراكض وتتسابق، والدنيا تسير قدماً وبسرعة فائقة إلى المثل العليا والمبادئ الجديدة والعقائد الحديثة الرامية إلى الأخوة البشرية الحقيقية، ولم يعد الإنسان يقاتل أخاه الإنسان لعقيدته الدينية. 

 ولقد سادت مثل هذه النعرات الدينية في البلدان الأوروبية في زمن من الأزمان وقامت المذابح الهائلة التي لا مثيل لها بين أتباع النصرانية الكاثوليك والبروتستانت، وذبح النصارى اليهود وشنعوا فيهم لاختلاف عقيدتهم الدينية، كما أبادوا المسلمين وعذبوهم في الأندلس، ولكننا نراهم اليوم يتقاتلون في سبيل المبادئ كما يقولون، أو في سبيل المصالح والمغانم على الأصح، فيحارب المسيحي البريطاني أخاه المسيحي الألماني ويتقاتلون قتالاً  لا رحمة فيه ولا شفقة، فتدك المدن بالقنابل على ما فيها من نساء وأطفال ومستشفيات ومرضى وكنائس، ويطلق الكاثوليكي الفرنسي نيران مدافعه على أخيه الكاثوليكي الإيطالي.  

ويجب أن نسجل بوضوح أن ليس أقدر من العدو الصهيوني اليهودي من استغلال مثل هذه الحوادث الطائفية القديمة وخصوصا هذه الأيام، وكثيراً ما تردد دعاياته المضللة  مصير طوائف الأقليات الدينية تحت الحكم العربي ً ، وتشير إلى ما جرى للأشوريين تحت الحكم العراقي، وكيف قمعت ثورتهم بلا شفقة أو رحمة. وهل تلام الحكومات إذا ما قمعت حركات العصيان والثورة أنّى كان مصدرها ،ومهما كانت العقائد الدينية للقائمين عليها ؟ فهل رحمنا الأنكليز يوم أن قمنا بثورتنا المعروفة عام 1936 ؟ وهل ترددت الحكومة اللبنانية عند قمعها للثورة القصيرة التي حاول الحزب القومي السوري القيام بها، وذكرى محاكمة وإعدام زعيم هذا الحزب أنطون خليل سعادة ورفاقه الستة في ساعات محدودة لا تزال ماثلة أمام أعيننا ؟

لقد توسعنا في هذا البحث لسبب هام وهو اعتقادنا بأن هذا الشرق العربي مقبل على حوادث جسام هامة، فهو موطن العرب المسيحيين قبل المسلمين.  

فيجب علينا الأستفادة من دروس الماضي وعظاته، ويجب علينا أن نتأكد من أن الأستعمار الغربي الأنكليزي والأمريكي والفرنسي لا يكل ولا يمل وسيظل كما كان في الماضي يفتش عن شق مهما صغر ليضع فيه اسفين التفرقة . 

والطائفية من أهم الأمور التي ال يتورع المستعمر عن إستخدامها. 

 وعلى كل منا أن يعلم أن ليس لعربي مسلم فضل على عربي مسيحي والعكس بالعكس، وأن قوتنا مستمدة من اتحادنا وتفاهمنا وتضامننا لمجابهة العدو المشترك، وإلا ضاع ريحنا وهدر كياننا كما جرى في فلسطين ولن ينجو من عواقب التفرقة الوخيمة مسلم أو مسيحي.  

ويخطئ من يظن أننا نستطيع التقرب من الإستعمار الغربي أو التحبب إليه إذا كنا ندين بدينه فقط، أو أن يحترمنا ويقدرنا ويفضلنا على غيرنا إذا تقربنا منه عن هذه الطريق، أو لأننا نلبس القبعة والزي اإلفرنجي، أو لأننا  نرطن بلغته ولو قلبنا ” الراء غينا بالفرنسية، أو قلدنا البريطان أو الأمريكان في لهجتنا الأنكليزية وكأننا من خريجي أكسفورد أو كمبردج أو هارفرد… أو إذا قلنا لهم أننا من أصل فينيقي ولسنا عرباً، أو انتسبنا إلى عائلة صليبية قديمة. 

 لقد لبس الأتراك القبعة من قبلنا وألغوا الخلافة الإسلامية، وغيروا الحروف العربية إلى اللاتينية، وترجموا القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وحلقوا شواربهم وتباعدوا عن الشرق والاسلام، وأطلقوا للمرأة حريتها ودفعوا بها من ” الحريم” إلى حلبة رقص الرومبا والسامبا ورشف الكوكتيل،  ولم يجديهم هذا الذي فعلوه نفعاً ولم يقبل الغرب إدخالهم في حظيرته.  

وسيظل هذا الغرب ينظر إلينا بعين لا تتغير ويتعمد إهانتنا بأن يقول عنا أنا شرقيين وآسيويين أو “hotires“ و “Indigenes“او“Sevantins !“ وكمثال صغير بارز على ما نقول، فقد تقابلنا في أواخر عام 1947 مع شخصية أمريكية لامعة جاءت تطوف أرجاء الشرق األدنى، وتطرق بنا البحث إلى الشيوعية وأخطارها، وأراد الضيف الأمريكي وهو في أواخر سن الكهولة إقناعي عن الخطر الشيوعي مؤيداً ما يقوله بحركات عصبية من أصابع يديه فقال: ” إنني أعرف روسيا معرفة شخصية فقد زرتها قبل مدة فإن تكلمت فإنما أتكلم عن معرفة وخبرة بالأمور، تصور ذلك العلج الأسيوي ستالين ويديه تقطران دماً هل يمكن أن نعتمد على عهوده أو وعوده؟ . 

 وقاطعته لأخبره  أن الرئيس تشرتشل سبق وأن نعت ستالين ” بذلك الأسيوي الدموي ” عندما كان حليفاً للالمان ولكنه عاد فغير رأيه بعد أن انضم إلى صفوف الحلفاء وقال عنه ” الحليف العظيم” . 

 فأراد الضيف الأمريكي أن يعتذر ببعض الكلمات ولكنني قاطعته مرة أخرى وأعلمته بصراحة ووضوح أني لست من أعوان ستالين ولا تهمني الشيوعية ولا أعرف عنها إلا ما قرأته في كتب الغرب. فإذا أراد أن يهين الزعيم الروسي أو يقلل من شأنه لأنه من سكان آسيا، فلن يؤثر كلامه علي ولن يقنعني لأنني  كعربي أفخر أنا أيضاً بأنني من القارة الأسيوية، كما أفهمته أن حضارة الشعوب وعظمة الرجال لا تقاس فقط بمقياس سكناها لشواطئ البحر األبيض الشرقية أو شواطئ هذا البحر الغربية والشمالية … فاعتذر الرجل وأنهينا حديثنا وانصرف. 

 إن هذا الذي ذكرته مثال صغير للعقلية الغربية ولم يكن هتلر بعيداً عن هذه العقلية عندما قسم الشعوب وسار فيها إلى حد التطرف وجعل شعوب الأرض طبقات بعضها فوق بعض.  

ولا يزال العدو المشترك أمامنا كما قلنا وهنالك مراحل ثلاث للنضال ضده والقضاء عليه، أولها: دفع الخطر عما بقي من فلسطين العربية، ثم منع توسعه في الأقطار العربية المجاورة، فالسرطان مرض قاتل لا يشفق وال يرحم كالعدو الصهيوني وهو سريع النمو والزحف. أما المرحلة الأخيرة، فهي الأستعداد لاستئصاله والقضاء عليه . ولن نستطيع السير في مثل هذه المراحل إلا  بوضع أسس جديدة للتعاون بين الأقرباء من سكان البيت الواحد، ومن أولى بوادر التعاون هذا سد جميع الثغرات الطائفية التي قد يتسرب منها العدو وأعوانه. 

 وقد زالت هذه النعرات الطائفية من فلسطين وسوريا والعراق، وفي مصر لم يبق لنغمة قبطي أو مسلم من أثر بفضل المساعي القيمة التي بذلها عقلاء الطرفين ونجدهم من الكتاب والأدباء والزعماء، وحل مكانها أجنبي ومصري وهذا ما لن نتحدث عنه في بحثنا الحاضر . وأكثر هذا الإختلاف الطائفي بروزا في هذه الأيام ،  ووضوحاً هي الحالة التي تسود لبناننا العزيز ولسنا بالدخلاء إذا ما عالجنا مثل هذا البحث، وقد يعد البعض خوضنا لمثل هذه المواضيع تدخلاً  لا مبرر له في شؤون داخلية محضة تخص سكان لبنان وحدهم . إننا نقول بهذا لآن لأن الوضع الحاضر في لبنان علاقة متشابكة مع القضية الفلسطينية لا يمكن التغاضي عنها مهما كانت الظروف، زد على ذلك حقوق الأخوة والجوار وصلة النسب التي تربط بين الكثيرين من سكان البلدين. فلم يعترض أحد منا نحن الفلسطينيون على وجود سعادة فؤاد بك عمون رئيس الوفد اللبناني وأعضاء وفده في لوزان عام 1949 ،وهم يناقشون شؤون فلسطين وشؤون اللاجئين والمدينة المقدسة وتكاد مفاوضاتهم هذه تقرر لا مصيرنا نحن فحسب بل ومصير أبنائنا وأحفادنا من بعدنا. لا نود البحث الآن فيما إذا كان لبنان فينيقي أو عربي، لأن التحدث عن هذا الموضوع التاريخي عويص ومتشعب وقد تفيد إثارته الخصم أكثر من إفادته للمصلحة العامة، والأمر الواقع أننا من أصل واحد نسكن الآن شواطئ البحر الأبيض الشرقية.  

وما قيمة الجدل بالنسبة للقضية الفلسطينية إذا كان الفينيقيون أو العرب هم الذين حملوا مشعل الحضارة إلى الغرب ومنه. فقد حمل العرب الحضارة إلى الأندلس وعرفنا ما كان مصيرهم. ولنطو هذا الجدل ونعود إلى صميم الموضوع فنقول : تسكن لبنان هذه البقعة الجميلة من الشرق الأدنى طوائف مختلفة منذ عصور وعصور بغض النظر عن عروبة هذه الطوائف أو عدم عروبتها . والأمر الذي لا شك فيه أنها عاشت جميعها جنباً الى جنب وكانت لها اليد الطولى في ازدهار هذا الجبل وعمرانه . وقد مرت على هذه البقعة كما مر على غيرها من بقاع العالم فترة من الزمن توترت فيها العلاقات بين سكان البيت الواحد وحدث ما حدث، واحتل الاستعمار الفرنسي البلاد وعمل ما عمل من سيء أو حسن، ثم انتهى عهده بمساعي أو بتدخل السياسة البريطانية لإقصاء النفوذ الفرنسي عن هذا القسم من العالم .  

وإذ بنا نواجه هذا العهد الجديد وهذا الحكم القائم في البلاد، وليس لي ولا في مقدوري أن أعدد حسناته أو مساوئه، ويكفي أن تجلس في أية ندوة أو مجتمع في بيروت وهي العاصمة التي تضم اليوم نصف سكان لبنان، فتسمع العجب وتسمع الإنتقاد المر أو المدح الجزيل والإطراء أو الشتيمة في العهد الجديد والحكم والقائمين عليه.  

يكفي كما قلنا أن تستمع إلى مثل هذه الأحاديث وأحاديث الطائفية لتستخلص منها العبر، هذا ما يقال علناً وعلى رؤوس الأشهاد، أما ما يقوله البعض همسا ً وفي المجالس الخاصة فحدث عنه بلا حرج، ويا ويل لبنان ويا ويل الشرق العربي إذا ما عاد التوتر الحقيقي بين الأخوة والأقارب الذين يعيشون تحت سماء واحدة. لقد طفنا البلاد العربية بقدر ما سمحت لنا الظروف ومع ذلك لم نجد من مظاهر الصداقة والأخوة والإختلاط الشامل بين الطوائف أكثر منها في لبنان )وقد تعمدنا أن نقول مظاهر الصداقة(، فإذا استمعت إلى أحاديث القوم ونكاتهم ومرحهم واجتماعاتهم الأخوية لا يمكن أن تصدق أن هنالك اختلافاً طائفياً حقيقياً لا  يمكن تلافيه أو الاتفاق عليه، وليس من شك أنه لا توجد هناك مشكلة طائفية في الدنيا  لا يمكن حلها جيدا بالتراخي والتفاهم مهما كانت معقدة وشائكة لو عمد الطرفان إلى قليل من الصبر والحكمة وإلى المزيد من سعة الخلق والتضحية من الجانبين.  

يقول المسلمون في لبنان أنه لو جرى اليوم إحصاء دقيق شامل للسكان لثبت أن عدد الطوائف المحمدية )السنة والشيعة والدروز( يعادل – إن لم يزد عن – عدد الطوائف المسيحية، ولذلك ليس من العدل أن يفوز الأخرون بحصة الأسد في الوظائف الحكومية وما يجره النفوذ الحكومي من مغانم تجارية واقتصادية. 

 ويجيب المسيحيون أن الوقت لم يحن بعد لإجراء مثل هذا الإحصاء لدخول عدد كبير من العناصر الغريبة عن لبنان تّوجها آخيراً تدفق اللاجئون الفلسطينيون، وأنه ليس من العدل أيضاً أن يجري مثل هذا الإحصاء إلا بعد قبول مبدأ تسجيل جميع المغتربين الذين في المهجر من أصل لبناني وعددهم يقارب المائتين ألف وأغلبيتهم الساحقة من الإخوان المسيحيين.  

فيجيب المسلمون أن فرنسا سارت منذ الأيام الأولى  من الإنتداب على سياسة إقرار الأكثرية المسيحية، وأن لبنان لذلك قطر مسيحي والمسلمون فيه أقلية،  فعليهم قبول حكم الأكثرية إلى الأبد،  مع أن الأمر ليس كما صوره أو أراده الإنتداب الفرنسي وبعض الأوساط اللبنانية، لأن فرنسا قبلت عشرات الألوف من اللاجئين الأرمن فمنحتهم الجنسية اللبنانية حالاً. حتى أنها منحت الجنسية هذه لسكان ” كيليكيا ” الأرمن الذين أرسلوا إلى ” مارسيليا ” ولم تطأ أقدامهم الأرض اللبنانية، وأن العهد الحالي لا يزال سائراً على السياسة الفرنسية بعدم فتح هذه الجنسية لعشرات الألوف من المسلمين الذين سكنوا لبنان وعاشوا فيه منذ سنين عديدة، وليس من العدل أن يحمل المغترب جنسية البلاد التي يعيش فيها الآن وتعطى له أيضاَ الجنسية اللبنانية مع أنه لا يرغب في العودة إلى مسقط رأسه، ولذلك فإن أوفق حل للمعضلة – التي لا تنتهي – إجراء الإحصاء الذي أشرنا إليه، هكذا يتبادل الطرفان الحجج ولما ينتهي البحث إلى يومنا هذا.  

ومرجع ذلك كله المصالح الخاصة والمنافع الشخصية التي تدر اللبن والعسل على بعض الهيئات والشخصيات التي لا ترى مصلحة في تسوية المشكلة تسوية جيدة نهائية ترضي الطرفين.  

وكثيرا ما تسمع في لبنان التصاريح الر نانة حول إلغاء الطائفية ويتبارى الخطباء في الحفلات بالحديث عن هذا ً الموضوع ويصفق الجمهور طويلا، ولكن كل هذه التصريحات وجميع هذه الخطب ظلت بلا جدوى، والجدل لم ينته ولن ينتهي في المستقبل القريب أو البعيد إذا ظلت العقلية على ما هي عليه الآن.  

ويطول الجدل حول العروبة والفينيقية بين الطرفين المتنازعين، وكأن الانتساب إلى أحدها مفخرة أو إلى الآخرى معرة أو العكس بالعكس.  

وتنظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية – وهي جمهورية فتية نسبياً – وفيها خليط عجيب غريب من العناصر والأجناس والشعوب والديانات، تتراوح بين بضعة ملايين من زنوج إفريقيا وبضعة عشرات الالوف  من الهنود الحمر يتوسطهم خلق كثير من شعوب أوروبا وأسيا منهم اللبنانيين والسوريين، فلا نسمع منهم إلا أنهم أمريكيون يفاخرون أمم الأرض لا بماضيهم بل بحاضرهم، ويغرقون العالم بدولاراتهم وذهبهم وعلمهم ومنتوجات صناعاتهم الهائلة. فهل لا يستطيع مليون من الإخوان يعيشون تحت سماء واحدة ينعمون بهذا المناخ الجميل وهذه المناظر الخلابة   وتربطهم جميعا الروابط المتينة أن يجدوا ما يعرف بالـ vivendi modus لحل هذه المشكلة البسيطة ؟؟. 

 ً نقول هذا كله لنحذر إخواننا اللبنانيين (ولم يعد ذلك سرا ) بما يسمى مشروع سوريا الكبرى أو الهلال الخصيب الذي يرمي نهائياً إلى تأسيس دويلة مسيحية في لبنان (Chrétien foyer ) وخصوصاً بعد قيام دولة اسرائيل ً. 

 يقولون أن هذا المشروع سيعطي للبنان الضمانات الكافية من بعض الدول الغربية الإستعمارية الكبرى وضمان مماثل من الدولة اليهودية الحديثة التي أصبحت تحد لبنان من الجنوب، بعدم التعدي على حدود لبنان الحالية.  

وما قيمة مثل هذه الضمانات الدولية بعد ما آلت إليه حالة فلسطين تحت حكم بريطاني دام ثلاثين عاماً ؟ أولم نعط نحن الفلسطينيين العرب الضمانات الكافية ؟ لقد جاء في عهد العصبة “عصبة الأمم” القديمة وصك الانتداب على فلسطين الذي وافقت عليه اثنين وخمسون دولة محترمة ما يأتي : The welfare of the population of Palestine is a sacred trust of civilization أي ” أن رفاهية سكان فلسطين وديعة مقدسة في يد الحضارة – الحضارة العالمية.” – ولقد رأينا بأعيننا “رفاهية” أفراد الشعب العربي الفلسطيني من مسلمين ونصارى كيف يعيشون في الكهوف والمغاور كما تعيش الأنعام أو الوحوش البرية، او يعيشون في خيام تعصف بها الرياح وأسنانهم تصطك من هول البرد والجوع والمرض. 

 هذه هي نتيجة اعتمادنا على حضارة القرن العشرين وهذه هي الرفاهية التي وعدنا بها في عهد عصبة الأمم  وصك االنتداب.  

ثقوا بأن الغرب سيقول للبنان أنه سيضمن استقلاله وحدوده بكفالة هيئة الأمم المتحدة الجديدة وميثاقها، وأنه سيحافظ على هذا الاستقلال ورفاهية الشعب اللبناني. وستقول حكومة إسرائيل “المزعومة” للبنان أنها ستحترم حدوده الجنوبية، وما عليه إلا فتح هذه الحدود، وما له وجيرانه العرب، فليس هو منهم ولاهم منه،لأن اللبنانيين من أهل الحضارة القديمة، واليهود هم حاملو لواء الحضارة الجديدة إلى الشرق الأدنى. 

 فإذا ما فتحت الحدود بين إسرائيل ولبنان تدفقت عليه الخيرات والنعم، وسينمو الجبل ويزدهر من تصريف حاصلاته الزراعية لسكان إسرائيل، وما سيتدفق عليه من أموال يصرفها اليهود في المصايف والمشاتي اللبنانية. فينشط الفلاح والعامل والتاجر والمالك من هذه النعم التي سمعنا بمثلها في فلسطين من قبل. 

 أولم نطرب جميعا عندما اعلن الرئيسان روزفلت وشرتشل ميثاق الأطلسي والحريات الأربعة؟ ولكن عندما ً حان وقت التفسير صرح الأخير بأن هذا الميثاق ال ينطبق إلا على سكان أوروبا ولا يشمل البلدان اآلسيوية؟ وليعلم الجميع أن عيون اليهود ترنو إلى القسم الجنوبي من لبنان على الأخص ويعّدونه جزءاً متمماً لأرض إسرائيل، وسيدخلونه في يوم من الأيام بقوة السلاح عندما يحين الوقت المناسب بعد أن تضيق بهم الأراضي المقدسة، وقد رأينا جميعا .ً ما فعله اليهود في القرى اللبنانية التي احتلوها ردحاً من الزمن. 

 إن خلاص لبنان وبقائه رهن بإخلاص طوائفه وأبنائه بعضهم لبعض واتحاد كلمتهم وتقوية الروابط السياسية والعسكرية والإقتصادية مع اخوانهم وجيرانهم من عرب الأقطار العربية الشقيقة، وإلا كان عليهم – كما كان علينا من قبلهم – السلام…