الخميس, ديسمبر 3, 2020

حاتم عمر يكتب :المسكوت عنه

 

حاتم عمر

شربنا الحليب الإجباري اليومي الكريه من مطعم الأونروا في المخيم، واصطففنا في طوابير بعد أن قرع جرس المدرسة الابتدائية إيذانا بانتهاء الفسحة (كنا نسميها الفرصة أو التنفس)، وذلك تمهيداً لرجوعنا إلى حجرات الدراسة. لكننا فوجئنا في ذلك اليوم بقدوم مدير المدرسة مع ثلة من المعلمين، ومعهم رجل غريب متأنق، أشقر الشعر، ممتلئ البنية، يضع نظارات شفافة سميكة على عينيه، ويرتدي قميصاً أزرق سماوي اللون بكمين قصيرين.

قال لنا المدير الأستاذ عبد الواحد الهندي (أبو رياض) رحمه الله: “يصادف اليوم الاحتفال بيوم الصحة العالمي، وضيفنا هو المرشد الصحي في عيادة المخيم، وقد جاء لإعطائكم بعض الإرشادات حول النظافة الشخصية والعامة وأهميتها في حياتنا والمحافظة على صحتنا.

اعتلى المرشد الصحي المتأنق حافة مطلّة على طوابير الطلاب بعد أن نزل عنها مدير المدرسة، وتحدث كثيراً عن ضرورة غسل اليدين قبل الطعام وبعده، وبعد الخروج من الحمّام، في الوقت الذي لم يكن يتوفر في منتصف ستينيات القرن الماضي مياه صالحة للشرب في مدرسة المخيم! وكان الأولاد يدخلون في عراك للفوز بشربة ماء من برميل ينتهي بصنبور، والله وحده يعلم ماذا كانت نوعية المياه في ذلك الدّن المعدني الصدئ. هذا ناهيك عن الحالة المزرية للمرافق الصحية في المدرسة والمخيم عامة في تلك الفترة.

عرفت بعد ذلك الكثير من “الأيام العالمية”. وبالعودة إلى غوغل، أحصيت أكثر من 100 يوم عالمي، بعضها يُحتفل به على نطاق واسع، والبعض الآخر لا يكاد يسمع به أحد، في حين يثير بعض الأيام العالمية الغرابة والدهشة. فهناك على سبيل المثال لا الحصر اليوم العالمي للابتسامة، واليوم العالمي لحقوق الطفل، لغسل اليدين، للشاي، للقهوة، للنمور، للولادات المبكرة، لعسريي اليد، لمكافحة الفساد، للتطوع، للسعادة، للعزّاب والعزباوات، للاجئين، للتبرع بالدم، للتسامح، للتلفزيون، للنشر الإلكتروني، للطيران المدني، للسكري، للنباتيين، للزلازل، للسكان، للمواصلات، للسلام، للتضامن مع الشعب الفلسطيني، للحليب، للفتاة، للفلافل، للنوم، للولادات المبكرة، لالتهاب المفاصل، للمضادات الحيوية واليوم العالمي للمناطق الرطبة!
لكن ما أثار دهشتي حقاً هو “يوم المرحاض العالمي” الذي يُحتفل به عالمياً في التاسع عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) منذ عام 2013، حيث حددّت منظمة الصحة العالمية في أجندتها للتنمية المستدامة لعام 2015 هدفا يتمثل في تزويد جميع البشر بمياه الشرب النظيفة ونظم الصرف الصحي العاملة بحلول عام 2030.

هل تتخيلون منازلكم من دون مراحيض؟ الإجابة لا قاطعةّ باتةّ وبنسبة 100%. وعليه، لا بأس في هذا الحديث عن موضوع يصنف في خانة “المسكوت عنه”!

لا شك في أن تلبية نداء الطبيعة حاجة إنسانية أساسية. ومهما بلغت فخامة البيوت والفيلات والقصور، فإن المرحاض يشكل ركناً أساسياً فيها لا يمكن الاستغناء عنه، ولكم أن تتخيلوا كيف يكون البيت من دونه. إن أصغر غرف المنزل، التي لا نلقي لها بالاً، تعني الكثير لمليارات الناس حول العالم.

يتفنن الجميع في تصميم هذه الحجرة التي تتعدد أسماؤها، ومنها بيت الخلاء، بيت الراحة، بيت الأدب، أدب خانة، المرافق الصحية، بيت الخارج، بيت النظافة، المُستراح، دورة المياه، كنيف، الساتر، منافع، مطهرة، شِشْمَة (أصلها عبري)، ووش روم (كلمة إنجليزية)، التواليت (فرنسية)، إينودورو (إسبانية)، سيسوا (صينية)، باتا (فلبينية) و”شاوشالييه” بالهندية. وسوف استخدم تأدّباً اسم “الحمّام” في هذه المقالة التي تلّح عليّ كتابتها منذ سنوات!

كانت الحمّامات شاهدة على قصص وتغيّرات اجتماعية وسياسية كبيرة، وهناك متاحف في مدن عالمية، مثل براغ وسيول، ترصد تطورها عبر التاريخ وتلقى إقبالاً كبيراً من السياح. فقد بدأ الإنسان الأول استخدام الغابات والمناطق المنزوية، ثم تعلّم عمل الحفرة من الحيوانات، ثم ثبّت عليها هياكل حجرية وخشبية ثم معدنية فيما بعد لتلافي الانزلاق. وكشفت الدراسات الأثرية عن نماذج أول حمامات في الصين قبل 4000 عام وفي الهند قبل 3000 عام. لكن الحمّام بشكله الحالي القائم في منازلنا يعود إلى عام 1898، حيث شكّل اختراع السيفون تطوراً ثورياً.

ومع الثورة الصناعية في أوروبا، انتشرت الحمّامات العمومية في المدن والمرافق العامة، لكنها كانت حكراً على الرجال. وقد تأخر خروج المرأة للعمل في بريطانيا حيث كان ُينظر إلى استخدام المرأة الحمّامات العمومية على أنه أمر غير لائق، لذلك ظلت النساء ولفترة طويلة قيد الإقامة المنزلية.

أما في الولايات المتحدة، فقد كانت المنشآت العامة، بما في ذلك المدارس والجامعات وأماكن العمل، مصممة لاستخدام الرجال فقط، وقد حاولت النساء التكيف بعدة طرق منها شرب كميات أقل من المياه وقضاء وقت أقصر خارج المنازل. وتعيّن عليهن الانتظار حتى نهاية ثمانينيات القرن التاسع عشر عندما ظهرت الحركات النسوية في الغرب، وانتشرت المراكز التجارية والمقاهي وبات استخدام المرأة الحمّامات العمومية أمراً مقبولاً.
يدرك الجميع في مختلف بلدان العالم، وخصوصاً نساء العالم النامي، أن أهمية الحمّامات لا تقتصر على الصحة والنظافة وخطر الإصابة بالأمراض، بل تتعلق بعنصر أهم كثيراً، هو السلامة. ففي الهند على سبيل المثال، تكثر حوادث الاغتصاب، التي قد تتبعها جرائم قتل الفتيات نتيجة لعدم وجود المرافق الصحية، واضطرار النساء لقضاء الحاجة في الخلاء. ويعيش في تلك الدولة أكثر من 700 مليون إنسان من دون بنى تحتية للصرف الصحي، وقد أصبح هذا الوضع لأهميته بنداً في الحملات الانتخابية للمرشحين السياسيين. أما أثيوبيا، فهي الدولة رقم واحد في العالم من حيث عدد البيوت التي لا يوجد فيها حمامات.

في معظم دول العالم، بما في ذلك الدول “الديمقراطية”، يستخدم البعض جدران الحمّامات العمومية لوحات للتعبير عن آرائهم التي لا يجرؤون على التصريح عنها علناً، وذلك بالكتابات والرسومات والرموز الخارجة عن الأدب والعرف، التي تتناول سياسيين وشخصيات عامة أو أشخاصاً بعينهم. وقد كنت أظن أن هذه الممارسة مقتصرة على مناطق معينة في عالمنا النامي، إلا أنني شاهدت “مجلات الحمّامات” وقد فتحت لها أفرع في كثير من الدول المتقدمة، بل إن تقارير أشارت إلى وجود رسوم وتعليقات بذيئة في حمّامات وزارة الخارجية الأميركية!

لا تغيب خفة دم أشقائنا المصريين وروح الدعابة لديهم عن أي موضوع. فقد تجوّل مندوب لإحدى محطات التلفزيون في القاهرة، ووجّه إلى شبّان من الجنسين السؤال التالي: “اليوم هو يوم المرحاض العالمي، كيف ستحتفل به؟!”. وكان من أطرف الإجابات ما يلي: “أجيب له هدية، يمكن روايح عطرية”، “أشد السيفون”، “استحم”، “إيه يعني المرحاض؟”، “إيه القرف ده”، “أشغّل موسيقى”، “أقول له كل سنة وانت ساترنا”. وكان ختام التقرير فتاة نظرت إلى المندوب شزراً ولم تنطق بحرف واحد، ثم غادرت المكان على عجل وهي تغطي وجهها بكفيها.

في أول زيارة لي إلى اليابان، وكان ذلك في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2002 برفقة وفد صحافي، وصلنا إلى مدينة أوساكا بعد رحلة انطلقت من دبي واستغرقت عشر ساعات ونيّف. انتقلنا إلى أحد فنادق النجوم الخمس، وكان من الأولويات بعد استلام الغرفة طبعاً التوجه إلى الحمّام لتلبية نداء الطبيعة والانتعاش.

ما أن فتحتُ باب الحمّام حتى وقفت مذهولاً، فالمقعد أمامي عبارة عن كمبيوتر! انفتح الغطاء من دون أن ألمسه، وهناك لوحة إلكترونية عليها أزرار كثيرة على الجانبين وبألوان عدة. ترددت في الجلوس على هذا الجهاز العجيب، وبدأت أتبيّن مختلف الأزرار التي تعمل باللمس والتي يمكن معرفة وظائفها بسهولة بواسطة الرسومات التي تحملها. فهناك زر لتدفئة المقعد، وآخر يحرك ذراعاً آلية مخفية تخرج من الأسفل وينبثق منها رشاش الماء للتنظيف، حيث يمكن التحكم بضغط ودرجة حرارة المياه وتوجيهها، وثالث للتجفيف، ورابع لنفث روائح عطرية، وخامس لإصدار صوت مماثل لسحب السيفون من أجل التغطية على أي أصوات محرجة!

التقيت مع الزملاء أعضاء الوفد الصحافي مساءً على العشاء في مطعم الفندق، وتجرأتُ على طرح السؤال: هل دخل أحد منكم الحمّام؟ فانفجر الجميع بالضحك، وبدأ كل واحد منهم يدلي بتعليقات طريفة حول تجربته وجهاً لوجه مع التكنولوجيا اليابانية. قلت للجميع: حسناً، من منكم يجرؤ على نقل تجربته لقراء صحيفته أو مجلته؟ ساد الصمت. لكن بعد انتهاء زيارتنا ببضعة أسابيع ظهر على صفحات إحدى الجرائد العربية ذات الانتشار الواسع موضوع من دون اسم كاتبه، كان عنوان القصة الخبرية “حمّامات اليابان عروش إلكترونية”.

مقالات ذات صلة

ماذا قال ملياردير إماراتي عن اللاجئين الفلسطينيين؟

الرمسة -(فريق التحرير)  لم يبد ما قاله  رجل الأعمال الإماراتي المعروف خلف الحبتور، عن إن اللاجئين الفلسطينيين لن يكون بمقدرتهم العودة إلى بلدهم على الإطلاق، صادماً...

افخم فنادق الاردن يتزين بالعلم الإماراتي بمناسبة اليوم الوطني – صور

الرمسة (عمان) تزين أفخم فنادق العاصمة الأردنية عمّان بالعلم الإماراتي بمناسبة اليوم الوطني التاسع والأربعين للدولة،. واضئيت  الوان العلم الإماراتي مساء الأربعاء 2/12/2020 على فندق الرويال...

كذب الاعلام العبري..وزير فلسطيني : إسرائيل حولت أموال المقاصة كاملة الى السلطة الفلسطينية

الرمسة -(رام الله) في تصريحات كذب فيها الاعلام العبري اعلن وزير الشؤون المدنية الفلسطيني  حسين الشيخ، الاعلام العبري واعلن اليوم الاربعاء عن تحويل  الحكومة الاسرائيلية...

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisement -

أحدث المقالات

ماذا قال ملياردير إماراتي عن اللاجئين الفلسطينيين؟

الرمسة -(فريق التحرير)  لم يبد ما قاله  رجل الأعمال الإماراتي المعروف خلف الحبتور، عن إن اللاجئين الفلسطينيين لن يكون بمقدرتهم العودة إلى بلدهم على الإطلاق، صادماً...

افخم فنادق الاردن يتزين بالعلم الإماراتي بمناسبة اليوم الوطني – صور

الرمسة (عمان) تزين أفخم فنادق العاصمة الأردنية عمّان بالعلم الإماراتي بمناسبة اليوم الوطني التاسع والأربعين للدولة،. واضئيت  الوان العلم الإماراتي مساء الأربعاء 2/12/2020 على فندق الرويال...

كذب الاعلام العبري..وزير فلسطيني : إسرائيل حولت أموال المقاصة كاملة الى السلطة الفلسطينية

الرمسة -(رام الله) في تصريحات كذب فيها الاعلام العبري اعلن وزير الشؤون المدنية الفلسطيني  حسين الشيخ، الاعلام العبري واعلن اليوم الاربعاء عن تحويل  الحكومة الاسرائيلية...

“الامن الاوروبي” : محمد دحلان سيعود قريباً الى رام الله لمزاولة العمل السياسي

الرمسة- خاص  فاجأ موقع الشرطة الامنية الاوروبية متابعيه بخبر يتحدث عن عودة قريبة للقيادي الفلسطيني المنشق محمد دحلان إلى رام الله.  المفاجأة كاملة حقاً، نظراً لأن...

مسؤول في الإدارة الأمريكية: إسرائيل مسؤولة عن مقتل فخري زادة.. وإيران في موقف صعب بشان الرد

الرمسة -(متابعات) نقلت شبكة "سي ان ان" الامريكية عن مسؤول في الإدارة الأمريكية أن إسرائيل تقف خلف عملية اغتيال العالم النووي الإيراني البارز، محسن...