رحيل صباح الأحمد.. مايسترو الدبلوماسية العربية

get_the_title

 

الرمسة- خالد أبو الخير
أعلن الديوان الأميري في الكويت وفاة أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.

وقال الديوان في بيان: “ببالغ الحزن والأسى ننعى إلى الشعب الكويتي والأمتين العربية والإسلامية وشعوب العالم الصديقة وفاة المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو أمير دولة الكويت الذي انتقل إلى جوار ربه.

والشيخ صباح  واحد من الزعماء الكبار، أولئك الذين إتسموا بالحكمة وقارعوا الأنواء التي حاقت بهذه الأمة، وظل حضورهم عابقاً بالطيب، لا يغيب.الفارس الذي عرفناه، سيبقى لأجيال، ينثر إرثه ورؤاه النيرات .. الشاسعات. 

سيرته

رأى  صباح الأحمد النور في مدينة الجهراء شمال غرب الكويت العاصمة، في 16 حزيران/ يونيو من عام 1929، وهو الابن الرابع من الأبناء الذكور لأحمد الجابر الصباح أمير الكويت العاشر من زوجته منيرة العثمان السعيد العيّار. 

نشأ في كنف أخواله آل العيار في منطقة  الجهراء التي كانت عبارة عن قرية زراعية، ثم إنتقل بأمر والده  إلى قصر السيف وهو بعمر الرابعة، ليكبر مع أخيه غير الشقيق أمير الكويت الراحل جابر الأحمد، وتحت إشراف الشيخة بيبي السالم الصباح والدة جابر، التي عاملته كأبنها، ومازح لاحقاً بقوله أنها “كانت تحبه أكثر من إبنها جابر”. 

تلقى تعليمه الابتدائي في المدرسة المباركية، وعلى أيدي اساتذة خصوصيين، ثم أرسله والده لأكمال دراسته في دول أسيوية وأوروبية، بغية إكسابه الخبرة بالتعرف على  طبيعة الإدارة والأنظمة السياسية.

وبعيد عودته، شكل بقاؤه في قصر الحكم فرصة ثمينة له ليتعرف على  طريقة إدارة المتغيرات التي حدثت في الكويت والتعاطي مع الأحداث والمستجدات السياسية العاصفة التي شهدها في شبابه: الحرب العالمية الثانية، النكبة الفلسطينية، ثورة 23 يوليو في مصر، استقلال الكويت عام 1961، ثورة 14 تموز في العراق، والعديد من الانقلابات العسكرية. 

تقلد وظيفته الأولى  عام 1954 ، وهو في عمر 25 عاماً، حين عينه الأمير عبد الله السالم الصباح عضواً في “اللجنة التنفيذية العليا” وهي بمثابة مجلس الوزراء ، ثم إنتقل في العام الذي يلي ليرأس “دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل”، التي يترك بصماته فيها، عبر تنظيم قدوم العمالة الأجنبية بعد إكتشاف النفط، وإنشاء مراكز التدريب الفني والمهني للفتيات ورعاية الطفولة والأمومة والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة وتشجيع قيام الجمعيات النسائية.

 وفي العام 1956 عين عضوًا في الهيئة التنظيمية للمجلس الأعلى، وهو المجلس الذي كان يساعد أمير الكويت في إدارة شؤون الحكم، وأضيف إلى منصبه هذا منصب رئاسة “دائرة المطبوعات والنشر”، وكان من قراراته إصدار الجريدة الرسمية تحت اسم “الكويت اليوم” ومجلة العربي التي صدرت بتوجيهات مباشرة منه، وقدم لها بقوله: “إنها هدية الكويت للعرب”.

تولى بعد إستقلال الكويت وزارة الارشاد والأنباء ” الإعلام حالياً”، ثم حدثت النقلة المهمة في حياته حين عين وزيراً للخارجية يوم 2 شباط/ فبراير 1963، ليكون ثاني شخص يتولى هذا المنصب بعد صباح السالم، ويعد في رأي مؤرخين ” المهندس الإستراتيجي للدبلوماسية الكويتية العربية “.

منصب وزير الخارجية هو أكثر ما التصق بالشيخ صباح، كونه استمر في منصبه لاربعة عقود، إبتدأها برفع علم الكويت فوق مبنى هيئة الأمم المتحدة بعد قبولها انضمام الكويت يوم 3 أيار/مايو 1963، ووصولاً إلى مواقفه المميزة على كل المنابر الدولية وأهمها مفاوضات قبول قرار مجلس الأمن الشهير 242.

لقّب بـ”شيخ الدبلوماسيين العرب والعالم” و”عميد الدبلوماسية الكويتية والعربية”، ووصفَهُ فؤاد بطرس وزير الخارجية اللبناني الأسبق في مذكراته بقوله: “إن الشيخ صباح الأحمد الصباح يتمتّع بقدرة فائقة على المناورة”.

ويتذكر الجميع، الجهود التي بذلها الشيخ صباح الأحمد، وهو امير،  للوساطة بين المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين وقطر، فيما عرف بإسم الأزمة الخليجية، وقد سبقتها لائحة طويلة من الوساطات للرجل الذي عرف بحبه لإصلاح ذات البين، واهمها: وساطته بين  عامي 1965-1966، بين مصر والسعودية لحل الصراع العسكري الذي ظهر بين الدولتين على أرض اليمن، وتوسطه لحل قضية المطالبة الإيرانية بالبحرين عام 1968، وبذل جهوداً كبيرة في العام الذي يلي بمحاولة التوسط  لحل للنزاع الحدودي بين العراق وإيران، حول السيادة على شط العرب، وفي ايلول/ سبتمبر 1970 شارك صباح الأحمد في جهود تسوية الصراع المسلح الذي اندلع بين الجيش الأردني وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية ، وزار ضمن وفد الجامعة العربية عمان عدة مرات وتنقل في مناطق الاشتباكات المسلحة.

وخلال الحرب العراقية الإيرانية، قاد وساطات عديدة لوقف الحرب وأعطى من جهده الكثير لحل الأزمة اللبنانية، وكانت الكويت هي الطرف المقبول لدى كافة الأطراف المتنازعة هناك.

ولم تقف جهود الشيخ صباح الأحمد عند حدود الوطن العربي، فقد سعى للتوسط عام 1971 لحل النزاع بين باكستان وإقليم البنغال الذي كان جزءا من الجمهورية الباكستانية قبل أن ينفصل عنها في بداية السبعينيات من القرن العشرين ليصير دولة بنغلاديش، وعمل على تشكيل لجنة تسوية  بين أعوام 1986-1989 لحل الخلاف بين تركيا وبلغاريا ، لحل مشكلة الأقليّة التركية في بلغاريا.

 غزو الكويت 

قاد بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، الدبلوماسية الكويتية التي استطاعت ان تكسب تعاطف أغلب دول العالم، لتقف إلى جانب الشرعية الكويتية بقيادة الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح. ويسجل للشيخ صباح في هذا الصدد أنه استطاع  كسب الاتحاد السوفيتي الذي أدان  الغزو العراقي ودعم تحرير الكويت، رغم أن السوفيت كانوا حلفاء للعراق. 

وخلافاً لما هو متوقع، ولكون الشيخ صباح شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء منذ العام 1978، بالإضافة إلى كونه وزيرًا للخارجية، واستمر في هذا المنصب حتى 20 نيسان/ أبريل 1991، إلا أنه استبعد في أوّل تشكيل وزاري ما بعد تحرير الكويت، وخرج من الحكومة للمرة الأولى منذ إستقلال الكويت.

لكن غيابه لم يطل، فقد عاد نائباً اول لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية يوم  17 تشرين أول/ أكتوبر 1992، وظل في هذه المناصب حتى 13 يوليو 2003 ، عندما عُيّن رئيسًا للوزراء، بدلاً من ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء آنذاك سعد العبد الله السالم الصباح بسبب ظروفه الصحية. 

الإمارة 

تولى مقاليد الحكم في 29 من كانون الثاني /يناير 2006  بعد وفاة الشيخ جابر الأحمد الصباح بعد نقل مجلس الأمة سلطات الأمير سعد العبد الله السالم الصباح إلى مجلس الوزراء بسبب أحواله الصحية، وبايعته الأسرة وأعضاء مجلس الأمة بالإجماع. 

 من الإنجازات التي تحسب له حصول المرأة الكويتية على حقوقها السياسية، وتوزيره أول وزيرة هي معصومة المبارك كوزيرة للتخطيط، وفوز اربع مرشحات في انتخابات عضوية مجلس النواب الكويتي عام 2009، كما عمل على تمتين الوحدة الوطنية ونبذ الفرقة والطائفية. 

وشهدت الكويت أثناء حكم صباح الأحمد، عدة مشاريع تنموية في عدة مجالات، تهدف لتحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري عالمي وتسريع عجلة الاقتصاد، وتعزيز دور القطاع الخاص في دعم التنمية الاقتصادية.

 واختارت الأمم المتحدة  الكويت “مركزًا للعمل الإنساني” عام 2014، وسُمي صباح الأحمد “قائدا للعمل الإنساني”. 

.. الرجل الذي ترك بصمته في بناء الخليج وفي المحافل الدولية والعربية، إتصف بإدائه الدبلوماسي الأنيق والحازم.. حتى عد مايسترو الدبلوماسية العربية. 

الراحل الكبير عاش  ماداً للخير وإلإصلاح والسياسة “وهو عميدها” سبلاً، علّ الخليج الذي يهوى والأمة التي ينتمي إليها، تفيق وتتفق وتتحد.