السبت, ديسمبر 5, 2020

مناطق رمادية تمنع تركيا من عقد تحالف استراتيجي مع روسيا

 

اسامة مصالح
هناك “مناطق رمادية” تمنع تركيا من رفع مستوى علاقاتها مع روسيا إلى مستوى التحالف الاستراتيجي. ومن تلك المناطق الرمادية “الملف السوري الحارق”، و”المسألة الكردية المدمرة”، و”النظام الإقليمي وبنيته وتوازناته”.

تُضاف إلى ذلك طموحات تركيا السياسية في المناطق المحيطة وتلك “النزعة الطورانية” الداعية إلى ضم الشعوب الناطقة بالتركية في كازاخستان وقيرغيستان وتركمانستان وأوزبكستان وتتار جزيرة القرم، وهي الدول التي تتمتع فيها روسيا بنفوذ عسكري وسياسي فريد بعدما غيرت خريطتها الديموغرافية في الزمن السوفياتي.

كما أن روسيا لم تعد “قلعة الشيوعية”، كما كانت من قبل، وليس في وسع تركيا أن تظل “قاعدة أطلسية” الى اﻷبد، فالمبادئ والتحالفات والمصالح والتوجهات تتغير، بل إن هناك في الغرب من بات يطلق تعبير “الإمبرياليات الجديدة” على كليهما.

الغرب طالب  بتوسيع مدى العقوبات الاقتصادية على روسيا وتطبيق عقوبة إسقاط الترشح لعضوية الاتحاد اﻷوروبي على تركيا، استناداً إلى قناعة مفادها أن ثمة مؤشرات تفيد ببدء تبلور “تعاون استراتيجي” بين القوتين الصاعدتين، تعاون قد يرتقي إلى مستوى التحالف.

“ممرّ الطاقة”، في نظر هؤلاء، هو كلمة السر والقاعدة والنواة الصلبة في هذا التعاون المزعوم، و”الممر” المذكور، أو “السيل الجنوبي”، عبارة عن شبكة عملاقة من خطوط أنابيب الغاز تضم القوقاز وآسيا الوسطى وتربط الصين بشرق البحر اﻷبيض المتوسط عبر تركيا.

وإلى جانب الطاقة، يرى هؤلاء أن التجارة تلعب دوراً حيوياً في هذا التعاون بين القوتين، إذ تستورد تركيا ستين في المئة من حاجتها إلى الغاز من روسيا، ويقترب حجم الميزان التجاري بين البلدين إلى حدود الثلاثين بليون دولار. هذا كله من دون ذكر المشروع الروسي لبناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا هي محطة أكويو.

إذا كانت ’السياسة اقتصاداً مكثفاً‘، فإن حجم هذه المصالح الاقتصادية الضخمة يدفع بتركيا، أكثر فأكثر، إلى التوقف عن لعب دور ’القاعدة الأطلسية‘ الملحقة بالغرب والمُعادية لروسيا.

لهذا لم تجد ’تركيا الجديدة‘ نفسها ملزمة بالتناغم مع استراتيجية الحلف الأطلسي الجديدة الداعية إلى مواجهة “غزو روسي محتمل لأوروبا”، وهي رفضت، ولا تزال، الالتزام بالعقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا إثر الأزمة الأوكرانية”.

إذا كانت الرؤية الروسية لهذا التعاون لا تحتاج إلى تحليل، كونها تستند إلى سياسة براغماتية صرفة وتشتغل على خلق اختراقات داخل منظومة حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، فإن الرؤية التركية تحتاج إلى بعض التوضيح:

وفق قواعد اللعبة الجديدة، التي صممها حزب العدالة والتنمية، لن تقبل تركيا بلعب دور الوكيل لسياسات الغرب واستراتيجيته إلى ما لا نهاية. فلتركيا، في نظر الحزب، ماضٍ تليد يتمثل بالإرثٍ العثماني.

ولقد كان الغرب بالذات هو من قطع أوصال الإمبراطورية عندما أبرم الصفقات السرية التي أدت إلى تقسيمها وانهيارها. وصفقة سايكس – بيكو – سازانوف، أو اتفاق آسيا الوسطى، كانت واحدة من أكثر تلك الصفقات ضرراً بالمصالح الحيوية لتركيا.

إعادة تصويب مسار التاريخ، على ما يعتقد حزب العدالة، إذاً، هي المهمة الكبرى التي يعتقد أنه يجب على تركيا الجديدة إنجازها. وتتمثل هذه المهمة بإعاده بناء مجد الإمبراطورية العثمانية، التي لن تكون إعادة بناء مجدها ممكنةً عبر توسل عضوية اتحاد أوروبي متهاو تعصف به اﻷزمات من كل جانب.

عندما صرح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ، قبل فترة، أنه يجب إبعاد “اللورنسات العرب” الجدد من المنطقة، كان كمن يحيل إلى ذاكرة قديمة، تستحضر “الخيانة” التي تعرضت لها الدولة العثمانية من طرف الغرب ويحذر من إعادة تكرارها. في هذا، هو يتقدم خطوات باتجاه روسيا، لكنه يبتعد أميالاً من الاتحاد الأوروبي.

هذا من جهة، طوّقت روسيا تركيا بالقواعد العسكرية الاستراتيجية من كل الاتجاهات: وجود عسكري روسي في قاعدة حميميم في اللاذقية، وقاعدة غيماري الأرمنية اللصيقة بالحدود التركية مع أرمينيا، وقاعدة همذان في إيران، وقاعدة غوداوتا في أبخازيا الجنوبية في جورجيا، وأسطول البحر الأسود في البحر الأسود، وغواصات نووية في البحر الأبيض المتوسط.

وكمن يمشي على حبل مشدود بين جبلين مرتفعين وتحته وادٍ سحيق، تترنح السياسة التركية، فإذا مالت باتجاه روسيا كثيراً واجهت خطراً محدقاً على مصالحها من طرف الاتحاد الأوروبي وأميركا، وإذا مالت باتجاه الاتحاد الأوروبي أكثر واجهت خطراً محدقاً على مصالحها من طرف روسيا.

لهذا كله ستظل علاقات تركيا بروسيا، كما هي حالياً مع أوروبا وأميركا، تتعرض للرد والأخذ، وللجذب والنبذ حتى إشعار آخر.

كاتب وباحث فلسطيني يقيم في فنلندا

مقالات ذات صلة

بعد سنوات الحرب مع داعش عودة الحركة إلى سوق البورصة في الموصل

الرمسة - عادت الحياة إلى سوق البورصة للجملة في مدينة الموصل العراقية الذي كان يشكل محطة تجارية أساسية في الشرق الأوسط، وقضت عليه ثلاث سنوات...

وزير الخارجية العماني: أمريكا طرحت تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية

الرمسة - قال بدر البوسعيدي وزير الخارجية العماني يوم السبت إن ديفيد شينكر كبير الدبلوماسيين الأمريكيين لمنطقة الشرق الأوسط ناقش مع بلاده إمكانية أن تصنف...

بطريرك القدس يدين محاولة متطرفين صهاينة حرق الكنيسة الجثمانية

الرمسة - أدان غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث، بطريرك القدس وسائر أعمال فلسطين والأردن، محاولة حرق كنيسة الجثمانية على يد أحد المتطرفين الاسرائيلين. ووصف غبطته هذه المحاولة...

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisement -

أحدث المقالات

بعد سنوات الحرب مع داعش عودة الحركة إلى سوق البورصة في الموصل

الرمسة - عادت الحياة إلى سوق البورصة للجملة في مدينة الموصل العراقية الذي كان يشكل محطة تجارية أساسية في الشرق الأوسط، وقضت عليه ثلاث سنوات...

وزير الخارجية العماني: أمريكا طرحت تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية

الرمسة - قال بدر البوسعيدي وزير الخارجية العماني يوم السبت إن ديفيد شينكر كبير الدبلوماسيين الأمريكيين لمنطقة الشرق الأوسط ناقش مع بلاده إمكانية أن تصنف...

بطريرك القدس يدين محاولة متطرفين صهاينة حرق الكنيسة الجثمانية

الرمسة - أدان غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث، بطريرك القدس وسائر أعمال فلسطين والأردن، محاولة حرق كنيسة الجثمانية على يد أحد المتطرفين الاسرائيلين. ووصف غبطته هذه المحاولة...

حمادة فراعنة يكتب : حرية هيـلــل رابـيـن

    بقلم حمادة فراعنة نالت الصبية الإسرائيلية هيلل رابين الحرية، وتم الإفراج عنها بعد انتهاء فترة حبس لمدة ثلاثة أشهر على خلفية عدم استجابتها للخدمة الإلزامية...

على أساس حل الدولتين.. الصفدي يبحث مع اشكنازي سبل إستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين

الرمسة - في لقاء جرى على جسر الملك حسين الرابط بين الأردن وفلسطين بحث بحث وزيرا خارجية الأردن أيمن الصفدي، وإسرائيل، غابي اشكنازي، الخميس، سُبل...