الأربعاء, ديسمبر 2, 2020

من دحرج الكرة؟ السلاح البيولوجي في العراق”، كتاب للدكتور باسل الساعاتي”

سرور ميرزا محمود
في هذا الزمن التأريخي التواصل بين الحاضر والماضي القريب قصة لا تنتهي فصولها، ونبع لا يرتوي منه الظمآن، ولا سيما ما يدونه من أحداث وتحولات اقليمية وعالمية خصوصاَ في منطقتنا والعراق بالاخص، حيث اصبحت مثار تساؤلات كثيرة تحتاج الى أجوبة صريحة وليست أجوبة مصطنعة او دعائية، فالمدرك لحركة التأريخ لكل نهضة يسبقه ليل طويل، وكما انطلق العراق في نهضته عندما امتلك القدرة البشرية، ووضعه الاقتصادي الملموس وامتلاكه قاعدة علمية لا يستهان بها، وكان قادرا على تحصيل اسباب القوة والمنعة، ولهذا اتخذت بعض الدول التي لا يروق لها تقدم العراق او اية دولة عربية من الولوج الى بناء وتوطين التكنولوجيا لصالح نموها ومنها البرنامج النووي، فبدأت موجة استهدفت وصف العراق بالشيطان او المارق من خلال امتلاكه في الثمانينات برنامجا نوويا كان بزعمها قاب قوسين او ادنى من السلاح النووي، وهيأت بذلك العالم لتقبل الاعتداء على العراق ولتدميره.

وكما هو معلوم، ما حصل للعراق بعد احتلال الكويت في اب 1990 الخطأ الاستراتيجي الجسيم الذي اعطى الفرصة لتدمير العراق وعزله وحصاره ثم احتلاله، لقد حاول اشخاص تولوا ادرة فرق التفتيش واللجنة الخاصة او الذين قادوا تلك الفرق ونشرت في كتب تلك الأشخاص اصدروها لاحقا كيف كانت تلك الفرق تعكس ما تمليه عليها الولايات المتحدة وبريطانيا، من بين الكتب على سبيل المثال ضابط مخابرات البحرية الامريكية سكوت ريترد الذي نشر عام 1998 كتابا بعنوان “سري للغاية، ومدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبق هانز بلكس وكتابه المعنون ” نزع أسلحة العراق، وكتاب تشارلز دولفر بعنوان” الاختباء والبحث ” والبرادعي في كتابه ” سنوات الخداع ” وغيرهم.

اصدر قادة البرنامج النووي وبعض من كوادره كتباً توثيقية ما امكن توثيقه قبل ان يرحل من تبقى منهم على قيد الحياة ، حيث وثقوا استراتيجية ومراحل البرنامج النووي بكل موضوعية مستندة الى حقائق لا تقبل الجدل، وكذلك وثقوا الدور التخريبي الذي انيط بفرق التفتيش، وممارساتها، وما قامت به تفصيلياً من تدمير للصناعة العراقية، وإرهاب العقول العلمية وشلها وتجميدها، وتقديم الذرائع لاستمرار العدوان طيلة فترة التسعينات، ومن ثم البدء بحرب 2003 واحتلال العراق.

ان ما كتبوه هو عرض لصورة البرنامج النووي كوثيقة تاريخية كما رسمت، وهي سرد للوقائع كما حدثت وليس كما يدعي المغرضون، او روايات من كان لهم مصلحة تشويه الحقائق. فما تم كتابته  لا يعبر عن آراء شخصية او محاولة للشهرة، بل هو لاطلاع الرأي العام وللجيل الذي يتحمل مسؤولية النهوض بالبلد وهو جيل لم يتعايش احداث مرحلة البناء والتدمير فتغيب عنه الحقيقة، وبدورنا كأحد العاملين في النشاط النووي تنتابنا السعادة وتشعرنا بالفخر، بانه لازالت أقلام لها ماض علمي واداري تساهم بما تملكه من طاقات ودراية ومتابعة ان تشارك بخبرتها بإصدارات أو تأليف أو مساهمة في ابداء الرأي بهذا النشاط، ليس بدافع الشهرة وانما بدافع تقديم ما هو أسمى لرسالة ناصية العلم والتكنولوجيا التي امتلكوها بغية عدم ضياع جهد، بذل بكافة جوانبه للوصول الى غاياتها في كشف ما حدث لهذا البرنامج في مراحله المتحققة امام التأريخ، فذاكرة الزمن ضعيفة.

هذه المقدمة ضرورية طالما أننا أمام كتاب صدر حديثاً عن دار الجديد، متوفر في الامازون، كتاب علمي توثيقي جديد للأستاذ الدكتور باسل الساعاتي، بعنوان” من دحرج الكرة؟ السلاح البيولوجي في العراق” حيث تطرق بشكل منهجي ما احتواه  الكتاب بفصوله العشرة؛ الفصلين الأول والثاني منه يستعرضان نمو الخبرة الوطنية لتوطين القدرات الهندسية والتكنولوجية في منظمة الطاقة الذرية، وانتقالها لتتوحد مع الخبرة التي سبق ونمت في هيئة التصنيع العسكري.

الفصول من الثالث ولغاية الثامن توثق المشاريع التي قامت بها هيئة التصنيع العسكري بعد عام 1991 للنهوض بالصناعة العراقية التي أصابها التدهور اثناء حربي الخليج الأولى والثانية، وما تبعها من حصار تجاري وتكنولوجي، إضافة لبعض المشاريع التي تمت لتحسين أداء منشآت التصنيع الحربي الإنتاجية التي سمحت بها قرارات مجلس الامن.

الفصلين التاسع والعاشر يستعرضان الأسس التي صاغتها فرق التفتيش وبتوجيه من الولايات المتحدة والاكاذيب وتأليف القصص وحياكة ونسج تهم امتلاك العراق لبرنامج لتصنيع السلاح البيولوجي، ومنها كانت قصة امتلاك العراق لوحدات متنقلة للسلاح البيولوجي، واصطناع قصة شراء العراق اليورانيوم من النيجر لإحياء برنامجه النووي، وادعاء شراء انابيب الالمنيوم، إضافة الى تزاحم التصريحات والاقاويل من مسؤولي الولايات المتحدة الامريكية رفيعي المستوى ، ومن جهات دولية مؤثرة موجهة جملة من الاتهامات ضد العراق،، مما أدى لاحتلال العراق وتدميره، وبعد الاحتلال في حزيران 2003 تم تشكيل لجنة مسح العراق والتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل من 1200 مفتشاً عهد رئاسته الى ضابط المخابرات ديفيد كي، بحثت عن أي أثر لأسلحة الدمار الشامل، ومنها عن الوحدات المتنقلة للسلاح البيولوجي في كل اطراف العراق ولم تعثر مما اجبرها على الاعتراف نهاية 2003، بان العراق لم يكن يمتلك برنامج لإنتاج السلاح البيولوجي ولا أي سلاح من أسلحة الدمار الشامل، وهذا الاعتراف هل أعاد للعراق مكانته بدل من تدميره وخرابه، وينبه المؤلف الساعاتي بالسؤال، لماذا قام العدوان وكيف تداولت دوائر المخابرات الغربية الأكاذيب، عسى ان نحدد من الذي رمى الكرة فعلا على الساحة العراقية، ولماذا.

يتوجب علي ان ابدي تثميني وشكري للأستاذ العزيز الدكتور باسل الساعاتي، على جهوده بإصدار هذا الكتاب، حيث سبق وان ساهم بإصدار  كتاب في كانون الأول 2005″ ملفات من البرنامج النووي والتصنيع العسكري ” الذي تضمن توثيقا للأعمال التي تم إنجازها منذ نشأة البرنامج النووي الوطني العراقي في نهاية عام 1982 ولغاية توقفه عام 1991، وكذلك توثيقا لما عمله المؤلف الساعاتي في هيئة التصنيع العسكري،
وقبل فترة صدر له كتاب ” القصة من الداخل “، والذي استعرض ” البرنامج النووي الوطني من البداية الى النهاية “، متضمناً الكثير من المعلومات المضافة التي استجدت وانكشفت له عام 2007.

لقد قرأت جميع ما كتبه زميلنا الساعاتي، فلا زال قلمه ينبض بحيوية صادقة، وهي مسائل درج الدكتور باسل الساعاتي على التعبير عنها بأسلوبه العلمي وتجربته في منظمة الطاقة الذرية والبرنامج النووي العراقي الغنية بعلمها والغنية بمعالمها الفنية والإدارية، والتي كانت شعلة وضاءة سيظل التأريخ يذكرها رغم ما حصل لها من تدمير ممنهج لم يسبق ان حصلت لأي بلد في العالم، كما تجدر الإشارة فان الزميل الدكتور باسل الساعاتي هو احد البارزين في مسيرة الطاقة الذرية والبرنامج النووي العراقي، والتصنيع العسكري، والذي ترك بصمته واضحة في عمله العلمي والإداري..، لقد وجدت محطات مهمة في هذا الكتاب يتوجب علي ان انوه عنها، لأنها محاولة لسد النقص من جهة، والتوثيق لما قام به الجانب الفني العراقي وقيادته وبراعته في البناء ونزع الألغام التي كانت تقوم بها فرق التفتيش وممارساتها، ومن كان يقف خلفها ويديرها. ومن الله التوفيق.

*مدير عام سابق في منظمة الطاقة الذرية العراقية

 

مقالات ذات صلة

كذب الاعلام العبري..وزير فلسطيني : إسرائيل حولت أموال المقاصة كاملة الى السلطة الفلسطينية

الرمسة -(رام الله) في تصريحات كذب فيها الاعلام العبري اعلن وزير الشؤون المدنية الفلسطيني  حسين الشيخ، الاعلام العبري واعلن اليوم الاربعاء عن تحويل  الحكومة الاسرائيلية...

“الامن الاوروبي” : محمد دحلان سيعود قريباً الى رام الله لمزاولة العمل السياسي

الرمسة- خاص  فاجأ موقع الشرطة الامنية الاوروبية متابعيه بخبر يتحدث عن عودة قريبة للقيادي الفلسطيني المنشق محمد دحلان إلى رام الله.  المفاجأة كاملة حقاً، نظراً لأن...

مسؤول في الإدارة الأمريكية: إسرائيل مسؤولة عن مقتل فخري زادة.. وإيران في موقف صعب بشان الرد

الرمسة -(متابعات) نقلت شبكة "سي ان ان" الامريكية عن مسؤول في الإدارة الأمريكية أن إسرائيل تقف خلف عملية اغتيال العالم النووي الإيراني البارز، محسن...

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisement -

أحدث المقالات

كذب الاعلام العبري..وزير فلسطيني : إسرائيل حولت أموال المقاصة كاملة الى السلطة الفلسطينية

الرمسة -(رام الله) في تصريحات كذب فيها الاعلام العبري اعلن وزير الشؤون المدنية الفلسطيني  حسين الشيخ، الاعلام العبري واعلن اليوم الاربعاء عن تحويل  الحكومة الاسرائيلية...

“الامن الاوروبي” : محمد دحلان سيعود قريباً الى رام الله لمزاولة العمل السياسي

الرمسة- خاص  فاجأ موقع الشرطة الامنية الاوروبية متابعيه بخبر يتحدث عن عودة قريبة للقيادي الفلسطيني المنشق محمد دحلان إلى رام الله.  المفاجأة كاملة حقاً، نظراً لأن...

مسؤول في الإدارة الأمريكية: إسرائيل مسؤولة عن مقتل فخري زادة.. وإيران في موقف صعب بشان الرد

الرمسة -(متابعات) نقلت شبكة "سي ان ان" الامريكية عن مسؤول في الإدارة الأمريكية أن إسرائيل تقف خلف عملية اغتيال العالم النووي الإيراني البارز، محسن...

سفير الإمارات في استراليا ضيف شرف في مؤتمر يهودي

الرمسة -(سيدني) بقلم هنري بنيامين ترجمة خالد غنام أبو عدنان حل سفير الإمارات في أستراليا عبدالله السبوسي ضيفا على المؤتمر السنوي للمجلس التنفيذي ليهود أستراليا الذي...

حمادة فراعنة يكتب : ضرورة العودة لفعل الذات

بقلم حمادة فراعنة لا أمل مُرتجى من حكومة المستعمرة الإسرائيلية وفريقها الثلاثي الحاكم: 1- اليمين، 2- اليمين السياسي المتطرف، 3- الاتجاه الديني اليهودي المتشدد، لا...