الأحد, نوفمبر 29, 2020

هجمات “ارامكو” وصمت دولي مريب

كتب : محمود خليل
مع ان الضربات الأخيرة على منشأت نفط رئيسية تابعة لشركة “أرامكو السعودية” أظهرت ان طهران تستهدف زعزعة استقرار سوق الطاقة العالمي واجبار الولايات المتحدة الامريكية على انهاء سياسة “الضغوط القصوى ” التي يعتمدها ترامب ، الا ان ردود الولايات المتحدة الامريكية والمجتمع الدولي على هذه الهجمات غير الكافية تطرح العديد من الأسئلة حول ما يجري في الخفاء ، بما يجعل من نظرية المؤامرة التي بات الكثيرون في المنطقة يؤمنون بها تسود لتفسير العجز الأمريكي الغربي امام ايران التي فاض سجلها من الإهانات التي وجهتها لأمريكا وللمجتمع الدولي.

 

لا احد في المنطقة يعتقد ان فرض عقوبات أمريكية بمعزل عن عقوبات دولية مجمع عليها داخل مجلس الامن الدولي على طهران كاف لردعها وارغامها للجلوس الى طاولة المفاوضات للحد من برامجها النووية والباليستية وزعزعة الاستقرار والامن في العالم والمنطقة، فالنتائج العملية لسياسة فرض العقوبات الامريكية على نظام الملالي جعلت منه اكثر عدوانية وتحديا.

ان تعاطي أمريكا والدول الكبرى مع الاعتداءات الإيرانية على دول المنطقة منذ ثورة الخميني وحتى أيامنا هذه يشبه الى حد كبير تعاطيها مع الاعتداءات الإسرائيلية على الدول العربية منذ عام 1967، بما يفتح شهية المؤمنون بنظرية المؤامرة بان أمور مريبة تحاك في الخفاء تستهدف العرب وعلى وجه الخصوص المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة.

قد يجادل البعض بان صمت أمريكا والمجتمع الدولي على سلوك نظام الملالي سواء في لبنان او أفغانستان او العراق او سوريا او اليمن والتلكؤ إزاء الهجوم على أرامكو في بقيق وخريص مرده لتوازنات دولية لكن لا احد من محبي نظرية الجدل العقيم ، تنبه الى ان الخاسر الوحيد في لعبة التوازنات الدولية هم العرب لوحدهم، وبالأمس القريب تفاخر آية الله، أحمد علم الهدى، إمام الجمعة في مدينة مشهد بصافقة إيرانية معهودة بأن “مساحة بلاده هي أكبر من حدودها الجغرافية، مرجعا ذلك إلى أن “كافة الفصائل المسلحة، التي تدعمها طهران الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن، وقوات الدفاع الوطني في سوريا، والجهاد الإسلامي وحماس في فلسطين هي جزء من إيران”.

وبالعودة الى مواقف الدول الغربية الكبرى المريبة من الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية فانه من غير المفهوم لماذا لم تعمد هذه الدول حتى الان الى انذار ايران بانها ستتعرض لعقوبات دولية واسعة وبقرار من مجلس الامن الدولي ما لم توافق للجلوس على طاولة للتفاوض حول كافة برامجها المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة والعالم ، وهو امر سبق ان اثبت جدواه في الماضي القريب، فعلى سبيل المثال رضخ مرشد ايران علي خامنئي وسمح في الماضي بإجراء مفاوضات نووية عندما اعتقد أن سيطرة النظام على السلطة قد تكون مهددة بسبب العقوبات الاقتصادية الشديدة التي كان مجلس الامن الدولي اقرها وما افرزته هذه العقوبات انداك من تطورات داخلية هددت بالإطاحة بنظام الملالي.

لكن خامنئي الذي رضخ في الماضي ووافق على اجراء مفاوضات و تمكن من تفكيك العقوبات الدولية المفروضة عليه بعد ابرام الاتفاق النووي ،عاد اليوم الى مربعه الأول بالخداع رافضا الحديث حول أي من برامجه المزعزعة وهو يدرك ان لا احد سواء دول المنطقة او أمريكا يرغب بالحرب وهو امر عبر عنه خلال خطابه في مشهد هذا العام حينما اعلن عن ثقته بعدم القدرة على النجاح في الاعتداء على إيران عسكريّاً، سواء من جانب القوى الإقليمية أو الخارجية.
ثقة خامنئي بعدم القدرة على النجاح بالاعتداء على ايران لا يمكن فهمها بانها دفاعية او انها تجيء في اطار الحرب النفسية وخصوصا حينما يقول :”يعلم أعداؤنا في المنطقة أو أولئك الذين لديهم قوّاتٍ في المنطقة أن الجمهورية الإسلامية تستطيع الرد بحزمٍ على أي هجوم بواسطة صواريخها عالية الدقة… ويجب أن يدرك الأعداء الذين يميلون أحياناً إلى شنّ هجومٍ عسكريِّ أن ذلك غير ممكن، وأن الجمهورية الإسلامية لديها قبضة جبّارة تستطيع بواسطتها الرد على أي هجوم.

ما أراد خامنئي قوله فسره بلا مواربة سعد الله زراعي عضو في هيئة التحرير في صحيفة كيهان التي تعتبر الناطقة بلسان خامنئي حينما اصدر تهديدا عسكريا لافتا للنظر ضد الرياض في 17 سبتمبر الجاري بقوله ان ايران في حال هاجمت المملكة العربية السعودية سيتم استهداف جميع الموانئ السعودية وآبار النفط وموارد الطاقة وهو امر اكد عليه حسن نصر الله امين عام حزب الله اللبناني بقوله ان ايران قادرة على تدمير المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي
فمثل هذه التصريحات لا تستهدف تعليق الصادرات النفطية وحسب وانما تحقيق هدف عملت طهران طيلة السنوات الأربعين الماضية على تحقيقه وهو تصدير الثورة الخمينية والاطاحة بأنظمة دول الخليج العربي متناغمة في ذلك مع هدف إسرائيلي معروف فمنذ قيام إسرائيل والمسؤولين فيها وهم يعبرون عن  اطماعهم واحلامهم في هذا الصدد.

لقد استولينا على القدس واستعدناها، ونحن اليوم في طريقنا ‏الى يثرب
(دافيد بن غوريون اول رئيس وزراء إسرائيلي)

• انني أشم رائحة أجدادي في الحجاز، واشم نسيم يثرب وخيبر وهي وطننا الذي علينا ‏أن نستعيده
(غولدمائير رئيسة وزراء إسرائيل 1969- 1974)

• ألآن أصبح الطريق ‏مفتوحا أمامنا الى المدينة ومكة ،لقد وصلنا أورشليم وما زال أمامنا يثرب وأملاك ‏قومنا
(موشي دايان وزير الحرب الإسرائيلي 1967-1974)

 

يبدو أن إيران تبذل قصارى جهدها لتثبيت ما تراه ،فإذا خلص خامنئي إلى أن الإدارة الأمريكية والدول الكبرى لا تستطيع فرض عقوبات اقتصادية دولية بقرار صادر عن مجلس الامن الدولي، ولا تستطيع تحّمل الدخول في حربٍ ، فقد يصبح أكثر حزماً في محاولة الهيمنة على المنطقة .
ليس من الواضح ان نظام الملالي قادر على تحقيق ما يهدف اليه ،الا انه من المؤكد انه سيكون سعيدا اذا ما اعتقد العالم تمتعه بمثل هذه القدرات فمظاهر القوة بالنسبة له بنفس أهمية القوة الفعلية.

سيستمر نظام الملالي باللعب بالمنطقة الرمادية (لا حرب ولا مفاوضات ولا عقوبات دولية) وهي المنطقة التي اعطته الحرية لإجراء مناورات جريئة مزعزعة للاستقرار ،لكن تهديداته الأخيرة تجاه السعودية ومنطقة الخليج العربي وهجماته على اهداف نفطية سعودية في بقيق وخريص، تجاوزت كل الحدود ويمكن ان تتصاعد اكثر ما لم يتم ردعها بشكل عملي عبر مجلس الامن الدولي وليس عبر عقوبات أمريكية بمفردها لا يبدو انها ذات أثر يذكر لردع ايران ولعل اسقاط احدث طائرة تجسس أمريكية مسيرة خير دليل على ذلك.

كما انه من غير المعقول ان إدارة ترامب لا تملك القدرة لإقناع الدول الأوروبية باتخاذ مواقف اكثر تشددا مع ايران عوضا عما تقوم به هذه الدول من محاولات لاسترضاء طهران عبر صيغ مالية تثير الريبة والشكوك في وقت لا يبدي نظام الملالي اية بوادر حسنة بما يمكن فهمه ان كل هذه الصيغ الأوروبية الهادفة لاسترضاء ايران بمباركة أمريكية ما هي الا تشجيع لها على التمادي اكثر من هجوم بقيق وخريص

مقالات ذات صلة

مساع لحل الأزمة الخليجية قبل تولي بايدن الإدارة؟

الرمسة - في واحد من الملفات العالقة والساخنة التي ورثتها إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، تبرز الأزمة الخليجية التي طال آمدها باعتبارها عقبة كأداء...

مسؤول سوداني يقر: إستقبلنا وفداً إسرائيلياً لمناقشة قضايا عسكرية

الرمسة - أقر المتحدث الرسمي باسم مجلس السيادة السوداني، محمد الفكي سليمان، بزيارة وفد إسرائيلي للسودان الأسبوع الماضي. و قال سليمان إن زيارة الوفد (ذات طبيعة...

نيوزويك تجيب.. ماذا تريد السلطة الفلسطينية من إدارة بايدن؟

  الرمسة - ماذا تريد القيادة الفلسطينية من الإدارة الجديدة للرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن؟.. السؤال طرحته مجلة نيوزويك الأمريكية سعياً للاجابة عليه. وأشارت المجلة إلى أنه...

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisement -

أحدث المقالات

مساع لحل الأزمة الخليجية قبل تولي بايدن الإدارة؟

الرمسة - في واحد من الملفات العالقة والساخنة التي ورثتها إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، تبرز الأزمة الخليجية التي طال آمدها باعتبارها عقبة كأداء...

مسؤول سوداني يقر: إستقبلنا وفداً إسرائيلياً لمناقشة قضايا عسكرية

الرمسة - أقر المتحدث الرسمي باسم مجلس السيادة السوداني، محمد الفكي سليمان، بزيارة وفد إسرائيلي للسودان الأسبوع الماضي. و قال سليمان إن زيارة الوفد (ذات طبيعة...

نيوزويك تجيب.. ماذا تريد السلطة الفلسطينية من إدارة بايدن؟

  الرمسة - ماذا تريد القيادة الفلسطينية من الإدارة الجديدة للرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن؟.. السؤال طرحته مجلة نيوزويك الأمريكية سعياً للاجابة عليه. وأشارت المجلة إلى أنه...

معقبة على مقتل زادة..واشنطن بوست: إيران التي عجزت عن حماية مواطنها كيف ستحارب الإستكبار

الرمسة - ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية ان إغتيال العالم النووي الإيراني، محسن فخري زاده، يدلل على وجود قصور وضعف في أداء أجهزة الإستخبارات الإيرانية. وجاء...

مسؤولون إيرانيون يتوعدون بالرد على إغتيال زادة.. ولكن كيف؟

الرمسة - مرة آخرى؛ تجد إيران نفسها امام تحد قد لا تقوى على تحمل تبعاته.. فبعد إغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، والرد " المنسق"...